الزركشي

136

البحر المحيط في أصول الفقه

النقيضين وهو محال انتهى . وقد وقع في المسألة أمران : أحدهما إطلاق إمام الحرمين وفخر الدين وأتباعه الخلاف في أن الامتثال هل يوجب الإجزاء وعبد الجبار لم يخالف في الإجزاء بالتفسير الأول وإنما خالف فيه بالثاني والخلاف في الأول بعيد والأول أقرب . قال الهندي وعلى هذا ترجمة المسألة بما ذكروه لا يستقيم لأن الإجزاء عند المتكلمين ليس عبارة عن سقوط القضاء بالفعل فلا يلزم من كون الفعل سقوط القضاء بل ينبغي ترجمتها على ما قاله الغزالي وغيره بأن الأمر يقتضي وقوع الإجزاء بالمأمور به عند الفقهاء وقال المتكلمون لا يقتضي فلا معنى للتخصيص على هذا ببعض المتكلمين كأبي هاشم وعبد الجبار فإن كل من قال الإجزاء ليس عبارة عن سقوط القضاء على التفسير المتقدم يلزم أن يقول لا يلزم من كون الفعل مجزئا سقوط القضاء . ولعل الأقرب أن الخلاف إنما هو في سقوط القضاء لا في سقوط التعبد به وكونه امتثالا وطاعة لأن ذلك كالتناقض فيبعد وقوع الخلاف فيه لأن أدلتهم تشعر بذلك . الثاني أنه يعني بقوله لا يستلزمه أن فعل المأمور به لا يمنع من الأمر بالقضاء وحاصله أنه لا يدل على الإجزاء وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل يدل على وجوب الإعادة ولا خلاف بين عبد الجبار وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمور . واتفقوا على أن البراءة الأصلية اقتضت العدم السابق وعبد الجبار يقول العدم اللاحق الكائن بعد الفعل مستفاد أيضا من البراءة الأصلية كالأعدام الكائنة قبل الفعل . وقد شبه القرافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشرط كقوله إن دخلت الدار فأنت حر فمن نفاه قال عدم عتقه ما لم يأت بالمشروط مستفاد من الملك السابق ومن أثبته قال هو مستفاد من ذلك ومن مفهوم الشرط أيضا . وظهر بهذا أن الخلاف لفظي لأنه أتى بالمأمور على وجهه ولا خلاف في أنه يمكن إيراد أمر ثان بعبادة يوقعها المأمور على حسب ما أوقع الأولى لأنه كاستئناف شرع وتعبد ثان والنزاع في تسمية هذا الأمر الثاني قضاء للأول فالجمهور ينفونه